حيدر حب الله
158
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
وفي نصّ نعتقده أكثر دلالة وفي غاية الأهميّة ، يقول المفيد في « المسائل العكبريّة » : « . . . وإنّما قال طوائف من الغلاة الجهّال ، والحشويّة من الشيعة الذين لا بصر لهم بمعاني الأشياء ولا حقيقة الكلام » « 1 » . وفي نصّ آخر في كتاب « الحكايات » يتوجّه السؤال للمفيد حول زعم المعتزلة أنّ أسلاف الشيعة مشبّهة ، ويذكر نصّ السؤال : « وأرى جماعة من أصحاب الحديث من الإماميّة يطابقونهم على هذه الحكاية ، ويقولون : إنّ نفي التشبيه إنّما أخذناه من المعتزلة . . . » « 2 » . ويحاول المفيد الجواب عن هذا الموضوع باستعراض موقف هشام بن الحكم في هذه القضية ، ويردّ الزعم القاضي بأنّ أسلاف الشيعة قالوا بالتشبيه ، دون تعليق على قصّة أن بعض الإمامية المعاصرين يوافقون في ذلك ، زعما أنّ أصوله من المعتزلة ، مما يشي بدلالة ضعيفة أنّه كانت هناك فعلا جماعة تنتقد منهج الاعتزال الذي بدأ ينفذ في الوسط الشيعي برأيها ، سيما وأن نصّ السؤال استفهامي صادق لا جدلي من خصم عنيد ، بل يؤكّد وجود جماعة حشويّة في الوسط الشيعي قول المفيد نفسه في « تصحيح اعتقادات الإمامية » : « ودخلت الشبهة فيه على حشويّة الشيعة » « 3 » . ومصطلح الحشوية له دلالات في الثقافة آنذاك ، لأنّه يعني تلك الجماعة الواثقة بالنصوص والأحاديث العاملة بها دون نقد أو تمحيص . وهكذا نجد المفيد يصرّح بأنّ الصدوق جرى « على مذهب أصحاب الحديث في العمل على ظواهر الألفاظ ، والعدول عن طريق الاعتبار ، وهذا رأي يضرّ بصاحبه في دينه ، ويمنعه المقام عليه عن الاستبصار » « 4 » . وما يؤكّد ذلك أيضا ملاحظة طبيعة معالجة المفيد للموضوعات بممارسة تحليل ونقد عقلي أزيد من الصدوق « 5 » ، مما يؤشّر على نزعة التعدّي عن النص ، بمعنى السماح للعقل بممارسة تفكير أكثر حرّية . وبهذا اتضحت لدينا معالم المنهج بين المدرستين على صعيد بحثنا ونطاق دراستنا ، لكن يبقى تساؤل يسجّل نقدا علينا وهو : إنّ كل هذا المشهد إنما يقع في دائرة العقديات ومجال أصول الدين ، وتبنّي الطرفين فيه اليقين لا يعني تبنيهما له في مجال الفقه وفروع
--> ( 1 ) - المفيد ، المسائل المكبريّة : 28 . ( 2 ) - المفيد ، الحكايات : 77 . ( 3 ) - المفيد ، تصحيح اعتقادات الإمامية : 81 - 82 . ( 4 ) - المصدر نفسه : 138 . ( 5 ) - المصدر نفسه : 28 - 29 ، 32 ، 37 ، 38 - 39 ، 41 ، 46 - 47 ، 60 ، 65 - 66 و . .